أحمد بن محمد المقري التلمساني

13

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

أعشّاق غير الواحد الأحد الباقي * جنونكم واللّه أعيا على الراقي جننتم بما يفنى وتبقى مضاضة * تعذّب بين البين مهجة مشتاق وتربط بالأجسام نفسا حياتها * مباينة الأجسام بالجوهر الراقي فلا هي فازت بالذي علقت به * ولا رأس مال كان ينفعها باقي فراق وقسر وانقطاع وظلمة * قني البعد من نيل السعادة يا واقي كأني بها من بعد ما كشف الغطا * صريعة أحزان لديغة أشواق تقلّب كفّيها بخيط موصّل * رشيقة قدّ دون سبعة أطباق فلا تطعموها السمّ في الشهد ضلّة * فذلك سمّ لا يداوى بدرياق بما اكتسبت تسعى إلى مستقرّها * فإما بوقر محسب أو بإملاق وليس لها بعد التفرّق حيلة * سوى ندم يذري مدامع آماق ولو كان مرمى الحزن منها إلى مدى * لهان الأسى ما بين وخد وإعناق « 1 » فجدّوا فإنّ الأمر جدّ ، وشمّروا * بفضل ارتياض أو بإصلاح أخلاق ولا تطلقوا في الحسّ ثني عنانها * وشيموا بها للحقّ لمحة إشراق « 2 » ودسّوا لها المعنى رويدا وأيقظوا * بصيرتها من بعد نوم وإغراق ومهما أفاقت فافتحوا لاعتبارها * مصاريع أبواب وأقفال أغلاق « 3 » وعاقبة الفاني اشرحوا وتلطّفوا * بأخلاقها المرضى تلطّف إشفاق فإن سكرت واستشرفت عند سكرها * لماهيّة المسقى ومعرفة الساقي أطيلوا على روض الجمال خطورها * إلى أن يقوم الوجد فيها على ساق وخلّوا لهيب الشوق يطوي بها الفلا * إلى الوجد في مسرى رموز وأذواق فما هو إلّا أن تحطّ رحالها * بمثوى التجلّي والشهود بإطلاق وتفنى إذا ما شاهدت عن شهودها * وقد فني الفاني وقد بقي الباقي هنالك تلقى العيش تضفو ظلاله * وتنعم من عين الحياة برقراق

--> ( 1 ) مرمى : مكان الرمي ، والمدى : الأمد ، والوخد والإعناق : ضربان من السير السريع . ( 2 ) شيموا : فعل أمر من شام مخايل الشيء ، أي تطلع نحوه ببصره منتظرا له . وشام البرق : إذا نظر إليه أين يتجه ويمطر . ( 3 ) الأغلاق : جمع غلق وهو باب الدار أو المتجر .